نصر حامد أبو زيد
97
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
الفصل الرابع أسباب النزول يعتبر علم « أسباب النزول » من أهم العلوم الدالة والكاشفة عن علاقة النص بالواقع وجدله معه . وإذا كان النقاد العرب قد نظروا لعلاقة النصوص الأدبية بالواقع من خلال مفهوم « المحاكاة » أو « المماثلة » و « التشبيه » و « الوصف » فان علم أسباب النزول يمكن أن يطرح لنا مفهوما مغايرا لعلاقة النص بالواقع . وإذا كانت مفاهيم النقد العربي عن « المحاكاة » قد تأثرت - في صياغاتها الفلسفية - خطى التراث اليوناني بعد أن أعادت « تأويله » ليلائم واقع النصوص العربية ، فإن علم أسباب النزول يزوّدنا من خلال الحقائق التي يطرحها علينا بمادة جديدة ترى النص استجابة للواقع تأييدا أو رفضا وتؤكد علاقة « الحوار » و « الجدل » بين النص والواقع . إن الحقائق الامبريقية المعطاة عن النص تؤكد أنه نزل منجما على بضع وعشرين سنة ، وتؤكد أيضا أن كل آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص استوجب انزالها ، وأن الآيات التي نزلت ابتداء - أي دون علة خارجية - قليلة جدا . وقد أدرك علماء القرآن أن السبب أو المناسبة المعينة هي التي تحدد الإطار الواقعي الذي يمكن فهم الآية أو الآيات من خلاله . أو بعبارة أخرى أدرك علماء القرآن أن قدرة المفسر على فهم دلالة النص لا بد أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص . ولم يقف علماء القرآن عند مستوى هذا الربط الميكانيكي بين النص والواقع ، وإلا ظلوا في اطار مفهوم فج للمحاكاة ، وانما أدركوا أن للنص - من حيث هو نص لغوي - فعالياته الخاصة التي يتجاوز بها حدود الوقائع الجزئية التي كان استجابة لها ، وهو ما ناقشوه تفصيلا في قضية « العام والخاص » وهي قضية سنتعرض لها في الباب الثاني الخاص بآليات النص . وبالإضافة إلى ذلك فقد أدرك العلماء أيضا أن النص وإن كان من حيث « النزول » - أي من حيث ترتيب نزول أجزائه - مرتبطا بالوقائع والأسباب فإنه من حيث « التلاوة » - أي من حيث ترتيبه الآن في المصحف - يتجاوز هذا الارتباط بالوقائع ليقيم روابط أخرى ناقشها